الكويرية والتشييع وإخفاء الهويات المتقاطعة لأبرز شعراء الغزل المذكر

استمتع بالاستماع إلى هذه المقالة باللغة العربية

استمتع بالاستماع إلى هذه المقالة باللغة العربية

كان تسليط الضوء على الشعر الغلماني والمذكَّر في التاريخ العربي الإسلامي خطوة مهمة، لفهم التاريخ القديم للجنسانية غير المعيارية في المنطقة، وكذلك للوصول إلى فهم أكبر حول هذه الجنسانيات وكيف تعامل النظام المجتمعي معها في ذلك الوقت. كما تُعَدُّ خطوة مهمة للتخلص من الكويرية الغربية التي تحاول فرض نفسها وتاريخها على المنطقة كشكل جديد من أشكال الاستعمار، دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف الكبير بين التجربتين وتقاطع الهويات الأخرى المختلفة بين الشرق والغرب.

ولكن عند القيام بأي عملية بحث عن التاريخ الكويري العربي أو الإسلامي، تجد الكثير من المقالات التي تتحدث عن الموضوع، وتورد الأبيات الشعرية لكل شاعر. وقد اتفقت جميعها على أمر واحد، وهو إلغاء التشيُّع منها ونسبها جميعًا للإسلام بشكل عام، وبذلك يُفهم أنه سني لكونه المذهب المعياري للإسلام. أما في حقيقة الأمر، فقد كان هؤلاء الشعراء ينتمون إلى العديد من المذاهب الإسلامية المختلفة، وأحد أهم هذه المذاهب الأخرى هو مذهب الشيعة.

من هم الشيعة؟

الشيعة، وحسب رأي ابن منظور في لسان العرب : “القوم الذين يجتمعون على الأمر، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع”، و“أصل الشيعة المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة”. والشيعة هم أتباع علي بن أبي طالب، أو القوم الذين يرون علي بن أبي طالب هو الأحق بالخلافة؛ فهم الذين بايعوه بعد وفاة النبي، واعتبروه الحاكم الديني لهم وإن لم يكن الحاكم السياسي وقتها.

ولكون التشيُّع في أساسه معارضًا لنظام الحكم السني، ولعدم اعتراف أفراده بهذا النظام ولا خلفائه، إذ لا يرون خليفة غير علي بن أبي طالب ونسله بعد النبي، فقد كان ذلك سببًا رئيسيًا في قتلهم وتهجيرهم في كثير من الأحيان. كما أن العديد من الأشخاص كانوا يخفون تشيُّعهم ويبقونه سرًا خوفًا من النظام. أما في وقتنا الآن، فيتم نزع الهوية الشيعية تاريخيًا عن العديد من الشخصيات المعروفة أو يتم إلغاء الشخصية وتناسيها بالكامل إذا كان ممكنًا، كما حدث مع مجموعة من الخليفات النساء الشيعيات اللواتي حكمن المسلمين في وقتهن. ولم يكن موضوع التاريخ الكويري ونزع الهوية الشيعية عن الشعراء استثناءً؛ إذ إن العديد من أعلام الشعر الكويري الإسلامي هم في الحقيقة شيعة وباعترافهم الصريح في أبياتهم الشعرية، مثل الصنوبري وأبي تمام وغيرهما.

هل كان للشيعة وجود في الساحة الإعلامية والشعرية؟

يجيب الشيخ كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها عن هذا السؤال؛ إذ يتحدث عن الشيعة الذين كانت لهم شهرة ومكانة في زمنهم، فيقسمهم على طبقات وينعطف على أشهر شعراء الإسلام (لاعتباره الشعراء طبقة منفصلة)، ويذكر من كان شيعيًّا منهم مع تقسيمهم على عصورهم الزمنية. فيقول فيهم: “من الشعراء الشيعة في القرن الثاني: دعبل الخزاعي، وأبو نؤاس، وأبو تمام، والبحتري، وديك الجن عبد السلام، وأبو الشيص، والحسين بن الضحاك، وابن الرومي، ومنصور النمري، والأشجع الأسلمي، ومحمد بن وهيب، وصريع الغواني”.

ويكمل في شعراء العصر الذي بعده: “وأهل القرن الرابع من الثلاثمائة فما بعد: مثل متنبي الغرب ابن هانئ الأندلسي، وابن التعاويذي، والحسين بن الحجاج صاحب المجون، والمهيار الديلمي، وأمير الشعراء الذي قيل فيه: بُدِئ الشعر بملك وخُتِم بملك، وهو أبو فراس الحمداني. وكشاجم، والناشئ الصغير، والناشئ الكبير، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع الهمداني، والطغرائي، وجعفر شمس الخلافة، والسري الرفاء، وعمارة اليمني، والوداعي، والخبز أرزي، والزاهي، وابن بسام البغدادي، والسبط ابن التعاويذي، والسلامي، والنامي، وقد يعد المتنبي وأبو العلاء أيضًا من الشيعة، وربما تشهد بعض أشعارهما بذلك، راجع الجزء الثاني”.

ثم يختتم بالقول: “وبالجملة: فجلُّ شعراء الدولة العباسية في هذا القرن والذي بعده كانوا من الشيعة، عدا مروان بن أبي حفصة وأولاده”. ومنها يمكن الاستنتاج أن أغلب إرث الغزل المذكر، الذي بلغ ذروته في شعراء العصر العباسي، هو إرث الشعراء الشيعة الذين كانوا يسيطرون على الساحة الشعرية. وسوف نتطرّق إلى بعض هؤلاء الشعراء الكوير شيعة:

أبو تمام

أبو تمام (188–231هـ) والذي يُعد أحد أعمدة الأدب العربي ورائد التجديد فيه، وكان حافظًا للقرآن وعارفًا بالحديث وبعلوم اللغة العربية، وإمامًا كبيرًا في فنون الأدب والنقد وفروع البلاغة. وقد نظم أيضًا العديد من الأشعار التي يتغزل فيها بالذكور، مثل هذه الأبيات:

لما استقلَّ باردافٍ تجاذبهُ
واخضرَّ فوق جُمانِ الدر شاربهُ
وصار من كان يلحُ في مودتهِ
إن سُئِل عني وعنه قال صاحبهُ

ولكن عند الحديث عن أبي تمام، لا يتم التطرّق أبدًا إلى تشيّعه رغم وضوحه في العديد من المصادر وفي شعره، الذي يزخر بمدحه لأهل البيت. كما قال عنه الجاحظ: “أحد رؤساء الإمامية”. وله أيضًا قصيدة تسمى “الغديرية” من ٧٣ بيتًا، وهي وحدها دليل كافٍ على تشيعه. يقول فيها مادحًا علي بن أبي طالب:

ويومَ الغدير استوضحَ الحقَّ أهلَهُ
بضَحْيآء لا فيها حِجابٌ ولا سِتْرُ
أقام رسولُ الله يدعوهم بها
ليقربَهم عَرَفٌ ويُنَاهم نُكْرُ
يمدُّ بضبعيهِ ويُعلِمُ أنهُ
وليٌّ ومولاكم فهل لكمْ خبرُ؟!

الصنوبري

وهو أحمد بن الحسن بن مرار الضبي الحلبي الأنطاكي، المعروف بالصنوبري (284–334هـ). وكان مشرفًا على مكتبة بغداد، إحدى أعظم مكتبات العالم آنذاك، وهو منصب علمي مرموق يتردّد عليه الفقهاء والعلماء والحكماء والقضاة وأرباب العلم والأدب. ولم يخلُ شعر الصنوبري من الغزل المذكر وحب الغلمان؛ فقد نظم العديد من الأبيات في هذا النوع من الشعر، منها قوله:

من أين من أينَ يا غلامُ
هذا التثنِّي وذا القوامُ
يا ليتنا ضَمَّنَا التقاءً
أو ليتنا ضَمِّنَا التزام

طغى هيام الصنوبري بالطبيعة والرياض والأزهار على شعره وحياته وصباه، ولكن كان هناك هيام آخر ساد روحه وقلبه حتى تملّكه، إنه هيام العقيدة والمودة لأهل البيت وتشيّعه لهم؛ حتى أصبح يُعَدُّ رمزًا شيعيًّا. وتشَيّعه هذا هو ما يطفح به شعره الرائق، وقد نص على ذلك اليماني في “نسمة السحر”، وعدّه ابن شهرآشوب من مادحي أهل البيت. ونقل الشيخ عباس القمي في (الكنى والألقاب) عن ابن شهرآشوب قوله في الصنوبري: “كان من شعراء أهل البيت”. ويقول في إحدى قصائده متحدثًا عن يوم الغدير:

رفعَ النبيُّ يمينَهُ بيمينِهِ
ليرى ارتفاعَ يمينِهِ رائيها
في موضعٍ أضحى عليهِ مُنبِّهًا
فيهِ وفيهِ يُبدع التشبيها
آخاهُ في ضمٍّ ونوَّه باسمِهِ
لم يألُ في خيرٍ به تنويهًا
هوَ قالَ (أقضاكُم عليٌّ) إنَّه
أمضى قضيتَهُ التي يمضيها

ابن هانئ الأندلسي

هو الشاعر محمد بن هانئ المغربي الأندلسي (326–362هـ)، وقد كان شيخًا فاضلًا وأديبًا، وكويريًّا شيعيًّا. فقد استحوذ حب الغلمان على كثير من شعره، ولم يكتفِ بمدح الغلمان بل كان يقارنهم بالإناث وكيف أنهم أفضل منهن بالنسبة له؛ فهم لا يصيبهم الحمل ولا تأتيهم الدورة الشهرية، بالإضافة إلى عدم ارتدائهم الحجاب أمامه. فيقول:

لا تلحني يا عاذلي إنني
لم تصبني هندٌ ولا زينبُ
لكنني أصبو إلى شادنٍ
فيه خصالٌ ثلاثةٌ تُرغَبُ
لا يرهب الطمثَ ولا يشتكي الـ
حملَ ولا عن ناظري يُحجبُ

كما كانت قضية أهل البيت (ع) ومظلوميتهم تملأ جوانح ابن هانئ، فصدح بها غير آبهٍ بما يتهدده من خطر، حتى عده البعض مغاليًا في حب آل البيت. ومن هنا يذهب مؤرخو الشيعة إلى أن ابن هانئ قُتل لتشيعه وولائه الخالص لأهل البيت. ويقول ابن هانئ في إحدى قصائده مجاهرًا بتشيّعه:

لي صارمٌ وهوَ شيعيٌّ كحاملِهِ
يكادُ يسبقُ كَرّاتي إلى البطلِ

أبو نؤاس

لا نستطيع الحديث عن غزل الغلمان أو الشعر المذكر دون التطرق إلى أبي نؤاس (145–198هـ)، والذي يعتبره الكثيرون مؤسسًا لهذا النوع من الفن في الشعر العربي. إذ له قصائد لا تُحصى في غزل الغلمان. ففي إحدى قصائده يرد على مَن يعيبون عليه حبه لمن يهواه قلبه، وكلما أرادوا إظهاره بشكل سيئ ازداد حبه واعجابه به، فيقول:

إن الذي تكرهون منهُ
ذاك الذي يشتهيهِ قلبي
فكلما عِبتُموهُ عندي
زادَ سُروري بهِ وعَجَبي

يرى العديد من الأشخاص أن أبا نؤاس لم يكن مسلمًا بسبب مجونه وشهرته بغزل الغلمان والنساء والخمريات، ولكنه رغم ذلك كان مسلمًا. وله العديد من الأبيات التي تُظهر ذلك. يُذكر في كتاب بحار الأنوار للمجلسي، أن يومًا خرج الرضا (ثامن أئمة الشيعة وأحد علماء المسلمين) على بغلة فارهة، فدنا منه أبو نؤاس وسلم عليه وقال له: “يا ابن رسول الله، قلتُ فيك أبياتًا أحب أن تسمعها مني.” فقال له الرضا: “قل.” فقال:

مطهرون نقيات ثيابهم‏
تجري الصلاة عليهم كلما ذُكروا
من لم يكن علويًّا حين ننسبهُ
فما له في قديم الدهر مفتخرُ
أولئك القوم أهل البيت عندهمُ
علم الكتاب وما جاءت به السورُ

وهذه الأبيات من أصدق الشعر وأروعه؛ إذ اقتبس الشطر الأول من القرآن الكريم: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا}. وقد أُعجب الرضا بها وقال: “قد جئتنا بأبياتٍ ما سبقك إليها أحد.” كما قال أبو نؤاس شعرًا لا يدل على إسلامه فقط، بل يدل على أنه كان علويَّ الهوى وذا أفكار شيعية أيضًا. ففي مناسبة أخرى، عندما سأله الناس لماذا لم يمدح الرضا عندما بُويع، قال أبياتًا كان من ضمنها:

فعلامَ تركتَ مدحَ ابنَ موسى
والخصالَ التي تجمعنَ فيهِ
قلتُ لا أستطيعُ مدحَ إمامٍ
كان جبرائيلُ خادمًا لأبيهِ

وبالإضافة إلى العديد من الشعراء الآخرين، مثل: الحسين بن الضحاك، وديك الجن، وعبد السلام الكلبي الحمصي، وأبي هفان المهزومي، وحماني الكوفي، وابن بسام البغدادي، والخبز أرزي، والوزير المهلبي (الحسن بن هارون)، وكشاجم، والسري الرفاء، وأبي عثمان الخالدي، وأبي بكر الخالدي، والخباز البلدي، والواواء الدمشقي، وابن الحجاج (أبو عبد الله الحسين بن أحمد) مع الكاظم، وابن وكيع التنسي، وأبي هلال العسكري، وبديع الزمان الهمذاني، وأبي حامد الأنطاكي، والوزير المغربي، وأبي نصر بن المرزبان، وابن الهبارية، والبارع البغدادي، وابن منير الطرابلسي، وابن الساعاتي، وشهاب الدين الكوفي، وابن التعاويذي، والتنوخي... كل هؤلاء كانوا شيعة، وهم أعلام الغزل الكويري في تاريخ المنطقة.

وقد تشاركوا جميعًا أيضًا في كونهم لا يرون أي سبب يمنعهم من التعبير عن كل من الهويتين الكويرية والإسلامية الشيعية في آن واحد. فلم يكونوا معارضين للنظام السياسي الديني فحسب، بل كانوا كذلك معارضين للنظام الاجتماعي والمعيارية الغيرية في الوقت نفسه، فتقاطعت هوياتهم الجنسية والدينية لتُضيَّق عليهم، ولا تزال آثار هذا التضييق إلى اليوم. فعند وجود محاولات لتقبل جنسانياتهم، تقوم تلك المحاولات بتهميش هويتهم الدينية والمذهبية والتعبير عنهم ككوير مسلمين يندرجون تحت المذهب السني، أو عندما يحاول الشيعة من جهة أخرى مدح هؤلاء الشعراء وثوريتهم في وجه النظام، وحتى موتهم أحيانًا بسبب الدفاع عن قضية أهل البيت، يتم دائمًا إخفاء هويتهم الكويرية وغزلهم المذكر. فلم ينتهِ هذا التجهيل لإحدى هوياتهم مع موتهم، بل استمر إلى يومنا هذا.

Previous
Previous

Hidden Queer Shia Identities in Arabic Islamic Poetry